محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

31

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

الجواب عن الموضع الأول وهو قوله : أَلْفَيْنا أن « ألفينا » يقصد بها بعض الوجوه التي يستعمل عليه « وجدنا » ؛ لأنه يقال : وجدت الشيء ، فلا يحتاج إلى مفعول ثان إذا وجدته عن عدم ، ولوجدان الضالة تقول : وجدت الضالة وتقول : وجدت زيدا عاقلا ، فيكون الوجود متعلقا بالخبر الذي هو المفعول الثاني ، ولا بدّ له في هذا الوجه منه ، ولا يكتفي بالمفعول الأول ، وأما قولهم « ألفيت » فإنها مخصوصة بهذا الوجه من وجوه « وجدت » ، لا يقال : ألفيت درهما بمعنى : وجدت درهما ، ولا : ألفيت الضالة بمعنى : وجدتها ، وإنما يقال : ألفيت زيدا عاقلا ، وألفيته على الهدى وعلى الضلالة ، فكان في الموضع الأول استعمال اللفظ الأخص أولى ، وتأخير اللفظ المشترك إلى المكان الثاني أولى . الجواب عن المسألة الثانية من هذه الآية في قوله عز وجل : لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ مع ما في سورة المائدة من قوله : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ أن يقال : إن لقوله : لا يَعْلَمُونَ رتبة ليست لقوله : يَعْقِلُونَ ، وإذا وقفت على ما بينهما سهلت عليك معرفة ما أوجب تخصيص كل مكان باللفظ المخصوص به ، فقول القائل يعلم معناه يدرك الشيء على ما هو به مع سكون إليه ، وقوله يعقل معناه : يحصره بإدراك له عما لا يدركه ، لذلك جاز أن يقول : يعلم اللّه كذا ، ولا يجوز أن يقول يعقل اللّه كذا ؛ لأن العقل يشد ، والعاقل الذي يحبس نفسه عما تدعو إليه الشهوات ، ولا شهوة للّه تعالى فيحتبس عنها ، فلذلك لا يقال للّه عاقل ، فيقال : عقل فلان الشيء وهو يعقله بمعنى : حصره بإدراكه له عما لا يدركه ويفيده تمييزه له عن غيره مما لم يدركه ، وهذا لا يصح في حق اللّه تعالى ، فإذا كانت رتبة يَعْلَمُونَ زائدة على رتبة يَعْقِلُونَ ، وأخبر اللّه عن الكفار في سورة المائدة « 1 » ، فقال : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ فبين أنهم ادعوا رتبة العلم بصحة ما كان آباؤهم عليه ؛ لأنهم قالوا : حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ولفظة « حسبنا » تستعمل فيما يكفي في بابه ويغني عن غيره ، فالمدرك للشيء إذا أدركه على ما هو به وسكنت نفسه إليه فذاك حسبه ، فاستعمل لفظة يَعْلَمُونَ ونفى عنهم النهاية ؛ لأنهم ادعوها بقولهم حَسْبُنا ، فكأنهم قالوا : معنا علم تسكن نفوسنا إليه مما وجدنا عليه آباءنا من الدين ، فنفى ما ادعوه بعينه هو والعلم . والموضع الأول الذي في سورة البقرة لم يحك عنهم فيه أنهم ادعوا تناهيهم في معرفة ما اتبعوا فيه آباءهم ، بل كان قوله تعالى :

--> ( 1 ) الآية : 104 .